فصل: فَصْلٌ: {وَلِيَبْتَلِيَ الله مَا فِي صُدُورِكُمْ}:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



فَإِنْ تَنْجُ مِنْهَا تَنْجُ مِنْ ذِي عَظِيمَةٍ ** وَإِلّا فَإِنّي لَا إِخَالُك نَاجِيًا

فَلْيَعْتَنِ اللّبِيبُ النّاصِحُ لِنَفْسِهِ بِهَذَا الْمَوْضِعِ وَلْيَتُبْ إلَى الله تعالى وَلِيَسْتَغْفِرْهُ كُلّ وَقْتٍ مِنْ ظَنّهِ بِرَبّهِ ظَنّ السّوْءِ وَلْيَظُنّ السّوءَ بِنَفْسِهِ الّتِي هِيَ مَأْوَى كُلّ سُوءٍ وَمَنْبَعُ كُلّ شَرّ الْمُرَكّبَةُ عَلَى الْجَهْلِ وَالظّلْمِ فَهِيَ أَوْلَى بِظَنّ السّوءِ مِنْ أَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ وَأَعْدَلِ الْعَادِلِينَ وَأَرْحَمِ الرّاحِمِينَ الْغَنِيّ الْحَمِيدِ الّذِي لَهُ الْغِنَى التّامّ وَالْحَمْدُ التّامّ وَالْحِكْمَةُ التّامّةُ الْمُنَزّهُ عَنْ كُلّ سُوءٍ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَسْمَائِهِ فَذَاتُهُ لَهَا الْكَمَالُ الْمُطْلَقُ مِنْ كُلّ وَجْهٍ وَصِفَاتُهُ كَذَلِكَ وَأَفْعَالُهُ كَذَلِكَ كُلّهَا حِكْمَةٌ وَمَصْلَحَةٌ وَرَحْمَةٌ وَعَدْلٌ وَأَسْمَاؤُهُ كُلّهَا حُسْنَى.
فَلَا تَظُنّنّ بِرَبّك ظَنّ سَوْءٍ ** فَإِنّ الله أَوْلَى بِالْجَمِيلِ

وَلَا تَظُنّنّ بِنَفْسِكَ قَطّ خَيْرًا ** وَكَيْفَ بِظَالِمٍ جَانٍ جَهُولِ

وَقُلْ يَا نَفْسُ مَأْوَى كُلّ سُوءٍ ** أَيُرْجَى الْخَيْرُ مِنْ مَيْتٍ بَخِيلِ

وَظُنّ بِنَفْسِكَ السّوآى تَجِدْهَا ** كَذَاكَ وَخَيْرُهَا كَالْمُسْتَحِيلِ

وَمَا بِكَ مِنْ تُقًى فِيهَا وَخَيْرٍ ** فَتِلْكَ مَوَاهِبُ الرّبّ الْجَلِيلِ

وَلَيْسَ بِهَا وَلَا مِنْهَا وَلَكِنْ ** مِنْ الرّحْمَنِ فَاشْكُرْ لِلدّلِيلِ

وَالْمَقْصُودِ مَا سَاقَنَا إلَى هَذَا الْكَلَامِ مِنْ قوله: {وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنّونَ بِالله غَيْرَ الْحَقّ ظَنّ الْجَاهِلِيّةِ} [آل عِمْرَانَ 154] ثُمّ أَخْبَرَ عَنْ الْكَلَامِ الّذِي صَدَرَ عَنْ ظَنّهِمْ الْبَاطِلِ وَهُوَ قَوْلُهُمْ: {هَلْ لَنَا مِنَ الأمر مِنْ شَيْءٍ} [آل عِمْرَانَ 154] وَقَوْلُهُمْ: {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمر شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا} [آل عِمْرَانَ 154] فَلَيْسَ مَقْصُودُهُمْ بِالْكَلِمَةِ الأولى وَالثّانِيَةِ إثْبَاتَ الْقَدَرِ وَرَدّ الأمر كُلّهِ إلَى الله وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مَقْصُودَهُمْ بِالْكَلِمَةِ الأولى لَمَا ذُمّوا عَلَيْهِ وَلَمَا حَسُنَ الرّدّ عَلَيْهِ بِقوله: {قُلْ إِنّ الأمر كُلّهُ لِلّهِ} [سُورَةُ آلُ عِمْرَانَ] وَلَا كَانَ مَصْدَرَ هَذَا الْكَلَامِ ظَنّ الْجَاهِلِيّةِ وَلِهَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمُفَسّرِينَ إنّ ظَنّهُمْ الْبَاطِلَ هَا هُنَا: هُوَ التّكْذِيبُ بِالْقَدَرِ وَظَنّهُمْ أَنّ الأمر لَوْ كَانَ إلَيْهِمْ وَكَانَ رَسُولُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَصْحَابُهُ تَبَعًا لَهُمْ يَسْمَعُونَ مِنْهُمْ لَمَا أَصَابَهُمْ الْقَتْلُ وَلَكَانَ النّصْرُ وَالظّفَرُ لَهُمْ فَأَكْذَبَهُمْ الله عَزّ وَجَلّ فِي هَذَا الظّنّ الْبَاطِلِ الّذِي هُوَ ظَنّ الْجَاهِلِيّةِ وَهُوَ الظّنّ الْمَنْسُوبُ إلَى أَهْلِ الْجَهْلِ الّذِينَ يَزْعُمُونَ بَعْدَ نَفَاذِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ الّذِي لَمْ يَكُنْ بُدّ مِنْ نَفَاذِهِ أَنّهُمْ كَانُوا قَادِرِينَ عَلَى دَفْعِهِ وَأَنّ الأمر لَوْ كَانَ إلَيْهِمْ لَمَا نَفَذَ الْقَضَاءُ فَأَكْذَبَهُمْ الله بِقوله: {قُلْ إِنّ الأمر كُلّهُ لِلّهِ} فَلَا يَكُونُ إلّا مَا سَبَقَ بِهِ قَضَاؤُهُ وَقَدَرُهُ وَجَرَى بِهِ عِلْمُهُ وَكِتَابُهُ السّابِقُ وَمَا شَاءَ الله كَانَ وَلابد شَاءَ النّاسُ أَمْ أَبَوْا وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ شَاءَهُ النّاسُ أَمْ لَمْ يَشَاءُوهُ وَمَا جَرَى عَلَيْكُمْ مِنْ الْهَزِيمَةِ وَالْقَتْلِ فَبِأَمْرِهِ الْكَوْنِيّ الّذِي لَا سَبِيلَ إلَى دَفْعِهِ سَوَاءٌ كَانَ لَكُمْ مِنْ الأمر شَيْءٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَأَنّكُمْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ وَقَدْ كُتِبَ الْقَتْلُ عَلَى بَعْضِكُمْ لَخَرَجَ الّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقَتْلُ مِنْ بُيُوتِهِمْ إلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلابد سَوَاءٌ كَانَ لَهُمْ مِنْ الأمر أَظْهَرِ الْأَشْيَاءِ إبْطَالًا لِقَوْلِ الْقَدَرِيّةِ النّفَاةِ الّذِينَ يُجَوّزُونَ أَنْ يَقَعَ مَا لَا يَشَاؤُهُ الله وَأَنْ يَشَاءَ مَا لَا يَقَعُ.

.فَصْلٌ: {وَلِيَبْتَلِيَ الله مَا فِي صُدُورِكُمْ}:

ثُمّ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ عَنْ حِكْمَةٍ أُخْرَى فِي هَذَا التّقْدِيرِ هِيَ ابْتِلَاءُ مَا فِي صُدُورِهِمْ وَهُوَ اخْتِبَارُ مَا فِيهَا مِنْ الإيمان وَالنّفَاقِ فَالْمُؤْمِنُ لَا يَزْدَادُ بِذَلِكَ إلّا إيمَانًا وَتَسْلِيمًا وَالْمُنَافِقُ وَمَنْ فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ لابد أَنْ يَظْهَرَ مَا فِي قَلْبِهِ عَلَى جَوَارِحِهِ وَلِسَانِهِ.

.{وَلِيُمَحّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ}:

ثُمّ ذَكَرَ حِكْمَةً أُخْرَى: وَهُوَ تَمْحِيصُ مَا فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ تَخْلِيصُهُ وَتَنْقِيَتُهُ وَتَهْذِيبُهُ فَإِنّ الْقُلُوبَ يُخَالِطُهَا بِغَلَبَاتِ الطّبَائِعِ؟ وَمَيْلِ النّفُوسِ وَحُكْمِ الْعَادَةِ وَتَزْيِينِ الشّيْطَانِ وَاسْتِيلَاءِ الْغَفْلَةِ مَا يُضَادّ مَا أُودِعَ فِيهَا مِنْ الإيمان وَالإسلام وَالْبِرّ وَالتّقْوَى فَلَوْ تُرِكَتْ فِي عَافِيَةٍ دَائِمَةٍ مُسْتَمِرّةٍ لَمْ تَتَخَلّصْ مِنْ هَذِهِ الْمُخَالَطَةِ وَلَمْ تَتَمَحّصْ مِنْهُ فَاقْتَضَتْ حِكْمَةُ الْعَزِيزِ أَنْ قَيّضَ لَهَا مِنْ الْمِحَنِ وَالْبَلَايَا مَا يَكُونُ كَالدّوَاءِ الْكَرِيهِ لِمَنْ عَرَضَ لَهُ دَاءٌ إنْ لَمْ يَتَدَارَكْهُ طَبِيبُهُ بِإِزَالَتِهِ وَتَنْقِيَتِهِ مِنْ جَسَدِهِ وَإِلّا خِيفَ عَلَيْهِ مِنْهُ الْفَسَادُ وَالْهَلَاكُ فَكَانَتْ نِعْمَتُهُ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الْكَسْرَةِ وَالْهَزِيمَةِ وَقَتْلِ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ تُعَادِلُ نِعْمَتُهُ عَلَيْهِمْ بِنَصْرِهِمْ وَتَأْيِيدِهِمْ وَظَفَرِهِمْ بِعَدُوّهِمْ فَلَهُ عَلَيْهِمْ النّعْمَةُ التّامّةُ فِي هَذَا وَهَذَا.
{إنّ الّذِينَ تَوَلّوْا مِنْكُمْ}.
ثُمّ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ وَتعالى عَنْ تَوَلّي مَنْ تَوَلّى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ الصّادِقِينَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَأَنّهُ بِسَبَبِ كَسْبِهِمْ وَذُنُوبِهِمْ فَاسْتَزَلّهُمْ الشّيْطَانُ بِتِلْكَ الْأَعْمَالِ حَتّى تَوَلّوْا فَكَانَتْ أَعْمَالُهُمْ جُنْدًا عَلَيْهِمْ ازْدَادَ بِهَا عَدُوّهُمْ قُوّةً فَإِنّ الْأَعْمَالَ جُنْدٌ لِلْعَبْدِ وَجُنْدٌ عَلَيْهِ وَلابد فَلِلْعَبْدِ كُلّ وَقْتٍ سَرِيّةٌ مِنْ نَفْسِهِ تَهْزِمُهُ أَوْ تَنْصُرُهُ فَهُوَ يَمُدّ عَدُوّهُ بِأَعْمَالِهِ مِنْ حَيْثُ يَظُنّ أنه يُقَاتِلُهُ بِهَا وَيَبْعَثُ إلَيْهِ سَرِيّةً تَغْزُوهُ مَعَ عَدُوّهِ مِنْ حَيْثُ يَظُنّ أنه يَغْزُو عَدُوّهُ فَأَعْمَالُ الْعَبْدِ تَسُوقُهُ قَسْرًا إلَى مُقْتَضَاهَا مِنْ الْخَيْرِ وَالشّرّ وَالْعَبْدُ لَا يَشْعُرُ أَوْ يَشْعُرُ وَيَتَعَامَى فَفِرَارُ الْإِنْسَانِ مِنْ عَدُوّهِ وَهُوَ يُطِيقُهُ إنّمَا هُوَ بِجُنْدٍ مِنْ عَمَلِهِ بَعَثَهُ لَهُ الشّيْطَانُ وَاسْتَزَلّهُ بِهِ.
{وَلَقَدْ عَفَا الله عَنْهُمْ}.
{أَوَلَمّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ}.

.إثْبَاتُ الْقَدَرِ وَالسّبَبِ:

ثُمّ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أنه عَفَا عَنْهُمْ لِأَنّ هَذَا الْفِرَارَ لَمْ يَكُنْ عَنْ نِفَاقٍ وَلَا شَكّ وَإِنّمَا كَانَ عَارِضًا عَفَا الله عَنْهُ فَعَادَتْ شَجَاعَةُ الإيمان وَثَبَاتُهُ إلَى مَرْكَزِهَا وَنِصَابِهَا ثُمّ كَرّرَ عَلَيْهِمْ سُبْحَانَهُ أَنّ هَذَا الّذِي أَصَابَهُمْ إنّمَا أُتُوا فِيهِ مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ وَبِسَبَبِ أَعْمَالِهِمْ فَقال: {أَوَلَمّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنّ الله عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عِمْرَانَ 165] وَذَكَرَ هَذَا بِعَيْنِهِ فِيمَا هُوَ أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ فِي السّوَرِ الْمَكّيّةِ فَقال: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشّورَى: 30] وَقال: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ الله وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [النّسَاءُ 79] فَالْحَسَنَةُ وَالسّيّئَةُ هَا هُنَا: النّعْمَةُ وَالْمُصِيبَةُ فَالنّعْمَةُ مِنْ الله مَنّ بِهَا عَلَيْك وَالْمُصِيبَةُ إنّمَا نَشَأَتْ مِنْ قِبَلِ نَفْسِك وَعَمَلِك فَالْأَوّلُ فَضْلُهُ وَالثّانِي عَدْلُهُ وَالْعَبْدُ يَتَقَلّبُ بَيْنَ فَضْلِهِ وَعَدْلِهِ جَارٍ عَلَيْهِ فَضْلُهُ مَاضٍ فِيهِ حُكْمُهُ عَدْلٌ فِيهِ قَضَاؤُهُ. وَخَتَمَ الْآيَةَ الأولى بِقوله: {إِنّ الله عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} بَعْدَ قوله: {قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} إعْلَامًا لَهُمْ بِعُمُومِ قُدْرَتِهِ مَعَ عَدْلِهِ وَأَنّهُ عَادِلٌ قَادِرٌ وَفِي ذَلِكَ إثْبَاتُ الْقَدَرِ وَالسّبَبِ فَذَكَرَ السّبَبَ وَأَضَافَهُ إلَى نُفُوسِهِمْ وَذَكَرَ عُمُومَ الْقُدْرَةِ وَأَضَافَهَا إلَى نَفْسِهِ فَالْأَوّلُ يَنْفِي الْجَبْرَ وَالثّانِي يَنْفِي الْقَوْلَ بِإِبْطَالِ الْقَدَرِ فَهُوَ يُشَاكِلُ قوله: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلّا أَنْ يَشَاءَ الله رَبّ الْعَالَمِينَ} [التّكْوِيرُ 30].
{وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ الله}.
{وَلِيَعْلَمَ الّذِينَ نَافَقُوا}.
وَفِي ذِكْرِ قُدْرَتِهِ هاهنا نُكْتَةٌ لَطِيفَةٌ وَهِيَ أَنّ هَذَا الأمر بِيَدِهِ وَتَحْتَ قُدْرَتِهِ وَأَنّهُ هُوَ الّذِي لَوْ شَاءَ لَصَرَفَهُ عَنْكُمْ فَلَا تَطْلُبُوا كَشْفَ أمثالهِ مِنْ غَيْرِهِ وَلَا تَتّكِلُوا عَلَى سِوَاهُ وَكَشَفَ هَذَا الْمَعْنَى وَأَوْضَحَهُ كُلّ الْأيضاحِ بِقوله: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ الله} وَهُوَ الْإِذْنُ الْكَوْنِيّ الْقَدَرِيّ لَا الشّرْعِيّ الدّينِيّ كَقَوْلِهِ فِي السّحْرِ {وَمَا هُمْ بِضَارّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلّا بِإِذْنِ الله} [الْبَقَرَةُ 102] ثُمّ أَخْبَرَ عَنْ حِكْمَةِ هَذَا التّقْدِيرِ وَهِيَ أَنْ يَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ عِلْمَ عِيَانٍ وَرُؤْيَةٍ يَتَمَيّزُ فِيهِ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ مِنْ الْآخَرِ تَمْيِيزًا ظَاهِرًا وَكَانَ مِنْ حِكْمَةِ هَذَا التّقْدِيرِ رَدّ الله عَلَيْهِمْ وَجَوَابَهُ لَهُمْ وَعَرَفُوا مُؤَدّى النّفَاقِ وَمَا يَئُولُ إلَيْهِ وَكَيْفَ يُحْرَمُ صَاحِبُهُ سَعَادَةَ الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَيَعُودُ عَلَيْهِ بِفَسَادِ الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلَلّهِ كَمْ مِنْ حِكْمَةٍ فِي ضِمْنِ هَذِهِ الْقِصّةِ بَالِغَةٍ وَنِعْمَةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَابِغَةٍ وَكَمْ فِيهَا مِنْ تَحْذِيرٍ وَتَخْوِيفٍ وَإِرْشَادٍ وَتَنْبِيهٍ وَتَعْرِيفٍ بِأَسْبَابِ الْخَيْرِ وَالشّرّ وَمَا لَهُمَا وَعَاقِبَتُهُمَا.
{وَلَا تَحْسَبَنّ الّذِينَ قُتِلُوا}.
{يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنْ الله}.
{لَقَدْ مَنّ الله عَلَى الْمُؤْمِنِينَ}.
ثُمّ عَزّى نَبِيّهُ وَأَوْلِيَاءَهُ عَمّنْ قُتِلَ مِنْهُمْ فِي سَبِيلِهِ أَحْسَنَ تَعْزِيَةٍ وَأَلْطَفَهَا وَأَدْعَاهَا إلَى الرّضَى بِمَا قَضَاهُ لَهَا فَقال: {وَلَا تَحْسَبَنّ الّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ الله مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [آل عِمْرَانَ 169- 170] فَجَمَعَ لَهُمْ إلَى الْحَيَاةِ الدّائِمَةِ مَنْزِلَةَ الْقُرْبِ مِنْهُ وَأَنّهُمْ عِنْدَهُ وَجَرَيَانَ الرّزْقِ الْمُسْتَمِرّ عَلَيْهِمْ وَفَرَحِهِمْ بِمَا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَهُوَ فَوْقَ الرّضَى بَلْ هُوَ كَمَالُ الرّضَى وَاسْتِبْشَارُهُمْ بِإِخْوَانِهِمْ الّذِينَ بِاجْتِمَاعِهِمْ بِهِمْ يَتِمّ سُرُورُهُمْ وَنَعِيمُهُمْ وَاسْتِبْشَارُهُمْ بِمَا يُجَدّدُ لَهُمْ كُلّ وَقْتٍ مَنْ نِعْمَتِهِ وَكَرَامَتِهِ وَذَكّرَهُمْ سُبْحَانَهُ فِي أَثْنَاءِ هَذِهِ الْمِحْنَةِ بِمَا هُوَ مِنْ أَعْظَمِ مِنَنِهِ وَنِعَمِهِ عَلَيْهِمْ الّتِي إنْ قَابَلُوا بِهَا كُلّ مِحْنَةٍ تَنَالهُمْ وَبَلِيّةٍ تَلَاشَتْ فِي جَنْبِ هَذِهِ الْمِنّةِ وَالنّعْمَةِ وَلَمْ يَبْقَ لَهَا أَثَرٌ الْبَتّةَ وَهِيَ مِنّتُهُ عَلَيْهِمْ بِإِرْسَالِ رَسُولٍ مِنْ أَنْفُسِهِمْ إلَيْهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُنْقِذُهُمْ مِنْ الضّلَالِ الّذِي كَانُوا فِيهِ قَبْلَ إرْسَالِهِ إلَى الْهُدَى وَمِنْ الشّقَاءِ إلَى الْفَلَاحِ وَمِنْ الظّلْمَةِ إلَى النّورِ وَمِنْ الْجَهْلِ إلَى الْعِلْمِ فَكُلّ بَلِيّةٍ وَمِحْنَةٍ تَنَالُ الْعَبْدَ بَعْدَ حُصُولِ هَذَا الْخَيْرِ الْعَظِيمِ لَهُ أَمْرٌ يَسِيرٌ جِدّا فِي جَنْبِ الْخَيْرِ الْكَثِيرِ كَمَا يَنَالُ النّاسَ بِأَذَى الْمَطَرِ فِي جَنْبِ مَا يَحْصُلُ لَهُمْ بِهِ مِنْ الْخَيْرِ فَأَعْلَمَهُمْ أَنّ سَبَبَ الْمُصِيبَةِ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ لِيَحْذَرُوا وَأَنّهَا بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ لِيُوَحّدُوا وَيَتّكِلُوا وَلَا يَخَافُوا غَيْرَهُ وَأَخْبَرَهُمْ بِمَا لَهُمْ فِيهَا مِنْ الْحِكَمِ لِئَلّا يَتّهِمُوهُ فِي قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ وَلِيَتَعَرّفَ إلَيْهِمْ بِأَنْوَاعِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَسَلّاهُمْ بِمَا أَعْطَاهُمْ مِمّا هُوَ أَجَلّ قَدْرًا وَأَعْظَمُ خَطَرًا مِمّا فَاتَهُمْ مِنْ النّصْرِ وَالْغَنِيمَةِ وَعَزّاهُمْ نَالُوهُ مِنْ ثَوَابِهِ وَكَرَامَتِهِ لِيُنَافِسُوهُمْ فِيهِ وَلَا يَحْزَنُوا عَلَيْهِمْ فَلَهُ الْحَمْدُ كَمَا هُوَ أَهْلُهُ وَكَمَا يَنْبَغِي لِكَرَمِ وَجْهِهِ وَعِزّ جَلَالِهِ. اهـ.

.من فوائد صاحب المنار:

قال رحمه الله:
{لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ}.
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: انْتَقَلَ مِنْ نَفْيِ الْغُلُولِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَمِنْ وَصْفِهِ قَبْلَ ذَلِكَ بِالرَّحْمَةِ وَاللِّينِ وَأَمْرِهِ بِالْمُشَاوَرَةِ إِلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ عَامَلَهُمْ هَذِهِ الْمُعَامَلَةَ- الَّذِينَ اتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ- وَبَيْنَ مَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ وَتَفَاوُتِ دَرَجَاتِهِمْ فِي ذَلِكَ، وَقَالُوا مَا قَالُوا مِمَّا دَلَّ عَلَى جَهْلِهِمْ وَكُفْرِهِمْ بِحِرْمَانِهِمْ مِنْ هِدَايَتِهِ- وَلَعَلَّهُ يَعْنِي مَنْ كَانَ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ فِي أُحُدٍ مِنَ الْكَافِرِينَ- ثُمَّ عَادَ إِلَى ذِكْرِ مِنَّتِهِ تعالى عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِبَعْثِهِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِيهِمْ. وَقَدْ كَانَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ وَصْفِهِ صلى الله عليه وسلم بِالرَّحْمَةِ وَاللِّينِ وَأَمْرِهِ بِتِلْكَ الْمُعَامَلَةِ الْحُسْنَى وَتَنْزِيهِهِ عَنِ الْغُلُولِ تَمْهِيدًا لِهَذِهِ الْمِنَّةِ، ثُمَّ وَصَفَهُ بِأَوْصَافٍ أُخْرَى أَكَّدَ بِهَا الْمِنَّةَ:
الْوَصْفُ الْأَوَّلُ: أنه مِنْ أَنْفُسِهِمْ أَيْ مِنْ جِنْسِهِمْ، أَيِ الْعَرَبِ، وَوَجْهُ هَذِهِ الْمِنَّةِ الْخَاصَّةِ الَّتِي لَا تُنَافِي كَوْنَهُ صلى الله عليه وسلم رَحْمَةً عَامَّةً: هُوَ أَنَّ كَوْنَهُ مِنْهُمْ يَزِيدُ فِي شَرَفِهِمْ وَيَجْعَلُهُمْ أَوَّلَ الْمُهْتَدِينَ بِهِ؛ لِأَنَّهُمْ أَسْرَعُ النَّاسِ فَهْمًا لِدَعْوَتِهِ، وَالنِّعْمَةُ الْعَامَّةُ قَدْ ذُكِرَتْ فِي آيَاتٍ أُخْرَى كَقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [21: 107] وَيُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلَّ عَلَى هَذَا التَّخْصِيصِ بِالْعَرَبِ بِدَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ صلى الله عليه وسلم الَّتِي تَقَدَّمَتْ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ} [2: 129] إِلَى آخِرِ الْأَوْصَافِ الْمَذْكُورَةِ هُنَا، وَذَهَبَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِأَنْفُسِهِمْ هَاهُنَا الْبَشَرُ لَا الْعَرَبُ. أَقُولُ: وَهَذَا الْقَوْلُ ضَعِيفٌ وَإِنْ وَجَبَ الإيمان بِكَوْنِ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْبَشَرِ، أَمَّا ضَعْفُهُ فَمِنْ وُجُوهٍ: (أَحَدُهَا) أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُؤْمِنِينَ فِي الْآيَةِ مَنْ كَانُوا مُتَّصِفِينَ بالإيمان عِنْدَ نُزُولِهَا فِي عَقِبِ غَزْوَةِ أُحُدٍ وَهُمْ مِنَ الْعَرَبِ.
(ثَانِيهَا) مُوَافَقَةُ دَعْوَةِ أَبَوَيْهِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ- عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالتَّسْلِيمُ-، وَإِنَّمَا دَعَوْا أن يكون النَّبِيُّ مِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا، وَذُرِّيَّةُ إِسْمَاعِيلَ هُمُ الْعَرَبُ الْمُسْتَعْرِبَةُ كَمَا هُوَ مَشْهُورٌ.
(ثَالِثُهَا) مُوَافَقَةُ آيَةِ سُورَةِ الْجُمُعَةِ الَّتِي فِي مَعْنَى هَذِهِ الْآية: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [62: 2] وَالْأُمِّيُّونَ: هُمُ الْعَرَبُ.
(رَابِعُهَا وَخَامِسُهَا) مَا يَأْتِي قَرِيبًا فِي تَفْسِيرِ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَمَا يَأْتِي فِي تَفْسِيرِ وَصْفِهِمْ بِالضَّلَالِ الْمُبِينِ.
(سَادِسُهَا) أَنَّ الْعَرَبَ هُمُ الَّذِينَ تَلَا عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِلِسَانِهِ آيَاتِ اللهِ، وَبَاشَرَ بِنَفْسِهِ تَزْكِيَتَهُمْ وَتَعْلِيمَهُمْ، وَهُمُ الَّذِينَ حَمَلُوا دَعْوَتَهُ إِلَى غَيْرِهِمْ مِنَ النَّاسِ، وَقَدْ نَصَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الإيمان بِكَوْنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْعَرَبِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الإسلام، وَالْإِيمَأن لابد مِنْ تَلْقِينِهِ لِكُلِّ مَنْ يَدْخُلُ فِي هَذَا الدِّينِ. وَمَنْ جَحَدَهُ بَعْدَ الْعِلْمِ بِهِ يَكُونُ مُرْتَدًّا عَنِ الإسلام، ثُمَّ صَارَ يَنْشُرُ الدَّعْوَةَ كُلُّ قَوْمٍ قَبِلُوهَا وَاهْتَدَوْا بِهَا، فَصَحَّ قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [34: 28] وَقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [21: 107].
الْوَصْفُ الثَّانِي قوله: {يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ} قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: الْآيَاتُ هِيَ الْآيَاتُ الْكَوْنِيَّةُ الدَّالَّةُ عَلَى قُدْرَتِهِ وَحِكَمْتِهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ، وَتِلَاوَتُهَا عِبَارَةٌ عَنْ تِلَاوَةِ مَا فِيهِ بَيَانُهَا وَتَوْجِيهِ النُّفُوسِ إِلَى الِاسْتِفَادَةِ مِنْهَا وَالِاعْتِبَارِ بِهَا، وَهُوَ الْقُرْآنُ، كَقَوْلِهِ- عَزَّ وَجَلَّ- فِي أَوَاخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لِآيَاتٍ لِأُولِي الألباب} [3: 190] وَقَوْلِهِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لِآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [2: 164] وَمِنْهَا مَا لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ كَلِمَةُ الْآيَاتِ كَقوله تعالى: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا} [91: 1، 2] إِلَخْ.
الْوَصْفُ الثَّالِثُ وَالرَّابِعُ: قوله تعالى: {وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}.
قَالَ الْأُسْتَاذُ: تَزْكِيَتُهُ إِيَّاهُمْ هِيَ تَطْهِيرُهُمْ مِنَ الْعَقَائِدِ الزَّائِغَةِ وَوَسَاوِسِ الْوَثَنِيَّةِ وَأَدْرَانِهَا، وَالْعَقَائِدُ هِيَ أَسَاسُ الْمَلَكَاتِ؛ وَلِذَلِكَ نَقُولُ: إِنَّ الْعَرَبَ وَغَيْرَهُمْ كَانُوا قَبْلَ بِعْثَةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم مُلَوَّثِينَ فِي عُقُولِهِمْ وَنُفُوسِهِمْ. أَقُولُ: قَدْ سَبَقَ عَنْهُ فِي تَفْسِيرِ آيَةِ الْبَقَرَةِ (2: 129) أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّزْكِيَةِ تَرْبِيَةُ النُّفُوسِ، وَأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ مُرَبِّيًا وَمُعَلِّمًا، وَأَرَادَ بِقوله: إِنَّ الْعَقَائِدَ أَسَاسُ الْمَلَكَاتِ، أَنَّ مَنْ لَمْ يَتَزَكَّ عَقْلُهُ وَيَتَطَهَّرْ مِنْ خُرَافَاتِ الْوَثَنِيَّةِ وَجَمِيعِ الْعَقَائِدِ الْبَاطِلَةِ لَا تَتَزَكَّى نَفْسُهُ بِالتَّخَلِّي عَنِ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ وَالتَّحَلِّي بِالْمَلَكَاتِ الْفَاضِلَةِ؛ فَإِنَّ الْوَثَنِيَّ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ وَرَاءَ الْأَسْبَابِ الطَّبِيعِيَّةِ الَّتِي ارْتَبَطَتْ بِهَا الْمُسَبِّبَاتُ مَنَافِعَ تُرْجَى وَمَضَارَّ تُخْشَى مِنْ بَعْضِ الْمَخْلُوقَاتِ، وَأَنَّهُ يَجِبُ تَعْظِيمُ هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ وَالِالْتِجَاءُ إِلَيْهَا لِيُؤْمَنَ ضُرُّهَا، وَيُنَالَ خَيْرُهَا، وَيُتَقَرَّبَ بِهَا إِلَى خَالِقِهَا وَأَنَّ مَنْ يَعْتَقِدُ هَذَا يَكُونُ دَائِمًا أَسِيرَ الْأَوْهَامِ، وَأَخِيذَ الْخُرَافَاتِ، يَخَافُ فِي مَوْضِعِ الْأَمْنِ وَيَرْجُو حَيْثُ يَجِبُ الْحَذَرُ وَالْخَوْفُ، وَتَتَعَدَّى قَذَارَةُ عَقْلِهِ إِلَى نَفْسِهِ فَتَفْسُدُ أَخْلَاقُهَا وَتُدَنَّسُ آدَابُهَا، فَتَزْكِيَةُ النَّفْسِ لَا تَتِمُّ بِتَزْكِيَةِ الْعَقْلِ، وَلَا تَتِمُّ تَزْكِيَةُ الْعَقْلِ إِلَّا بِالتَّوْحِيدِ الْخَالِصِ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: أَمَّا تَعْلِيمُهُمُ الْكِتَابَ فَمَعْنَاهُ أَنَّ هَذَا الدِّينَ الَّذِي جَاءَ بِهِ قَدِ اضْطَرَّهُمْ إِلَى تَعَلُّمِ الْكِتَابَةِ بِالْقَلَمِ وَأَخْرَجَهُمْ مِنَ الْأُمِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُ دِينٌ حَثَّ عَلَى الْمَدَنِيَّةِ وَسِيَاسَةِ الْأُمَمِ.
أَقُولُ: كَانَ أَوَّلَ حَاجَتِهِمْ إِلَى تَعَلُّمِ الْكِتَابَةِ وُجُوبُ كِتَابَةِ الْقُرْآنِ، وَقَدِ اتَّخَذَ صلى الله عليه وسلم كَتَبَةً لِلْوَحْيِ وَكَتَبُوا لَهُ كُتُبًا دَعَا بِهَا الْمُلُوكَ وَالرُّؤَسَاءَ إِلَى الإسلام، وَكَانَ يَأْمُرُهُمْ بِتَعَلُّمِ الْكِتَابَةِ. ثُمَّ كَانَ ذَلِكَ يَكْثُرُ فِيهِمْ عَلَى قَدْرِ نَمَاءِ مَدَنِيَّتِهِمْ وَامْتِدَادِ سُلْطَتِهِمْ، قَالَ: وَأَمَّا الْحِكْمَةُ فَهِيَ أَسْرَارُ الْأُمُورِ وَفِقْهُ الْأَحْكَامِ وَبَيَانُ الْمَصْلَحَةِ فِيهَا وَالطَّرِيقِ إِلَى الْعَمَلِ بِهَا، ذَلِكَ الْفِقْهُ الَّذِي يَبْعَثُ عَلَى الْعَمَلِ، أَوْ هِيَ الْعَمَلُ الَّذِي يُوَصِّلُ إِلَى هَذَا الْفِقْهِ فِي الْأَحْكَامِ أَوْ طُرُقِ الِاسْتِدْلَالِ وَمَعْرِفَةِ الْحَقَائِقِ بِبَرَاهِينِهَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ هِيَ طَرِيقَةُ الْقُرْآنِ وَسُنَّتُهُ فِي الْعَقَائِدِ وَكَذَا فِي الْآدَابِ وَالْعِبَادَاتِ؛ وَقَدْ مَرَّتِ الشَّوَاهِدُ الْكَثِيرَةُ عَلَى ذَلِكَ وَسَيَأْتِي مَا هُوَ أَكْثَرُ وَأَغْزَرُ إِنْ شَاءَ اللهُ تعالى.